صديق الحسيني القنوجي البخاري

450

فتح البيان في مقاصد القرآن

يمثلون به فإن القرية اسم للسكان في مسكن مجتمع فإنما تطلق القرية باعتبار الأمرين كالكأس لما فيه الشراب ، والذنوب للدلو الملآن ماء والخوان للمائدة إذا كان عليها طعام ونظائره . ثم لكثرة استعمالهم هذه اللفظة ودورانها في كلامهم أطلقوها على السكان تارة وعلى المسكن تارة بحسب سياق الكلام وسباقه ، وإنما يفعلون هذا حيث لا لبس ، فلا إضمار في ذلك ولا حذف فتأمل هذا الموضع الذي خفي على القوم مع وضوحه انتهى . وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها أي أصحابها وكانوا قوما معروفين من جيران يعقوب من كنعان ، حمل العير هنا إلى الدواب نفسها وهذا هو المعنى الحقيقي لها فاحتاج إلى تقدير المضاف وفيما سبق على المعنى المجازي وهو نفس أصحابها فاستغنى عن تقدير المضاف . وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما قلنا ، جاؤوا بهذه الجملة مؤكدة هذا التأكيد لأن ما قد تقدم منهم مع أبيهم يعقوب يوجب كمال الريبة في خبرهم هذا عند السامع ، وهذا آخر الكلام الذي علمه لهم أخوهم الكبير . فلما قالوا هذا ليعقوب قالَ بَلْ سَوَّلَتْ زينت أو خيلت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً لا أصل له ، والأمر هنا قولهم إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما سرق في الحقيقة وقيل المراد بالأمر إخراجهم بنيامين والمضي به إلى مصر طلبا للمنفعة فعاد ذلك بالمضرة ، وقيل هذا الأمر فتياهم بأن السارق يؤخذ بسرقته ، والإضراب هنا هو باعتبار ما أثبتوه من البراءة لأنفسهم لا باعتبار أصل الكلام فإنه صحيح والجملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدر كغيرها . فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أي فأمري صبر أو فصبر جميل أجمل بي وأولى لي ، والصبر الجميل هو الذي لا يبوح صاحبه بالشكوى بل يفوض أمره إلى اللّه ويسترجع ، وقد ورد أن الصبر عند أول الصدمة « 1 » . عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً أي بيوسف عليه السلام وأخيه بنيامين ، والأخ الثالث الباقي بمصر وهو كبيرهم كما تقدم ، وإنما قال هكذا على سبيل حسن الظن باللّه عزّ وجلّ لأنه قد كان عنده أن يوسف عليه السلام لم يمت وأنه باق على الحياة وإن غاب عنه خبره ، وإذا اشتد البلاء وعظم كان أسرع إلى الفرج قال تعالى سَيَجْعَلُ

--> ( 1 ) لفظ الحديث في السنن والصحاح : « إنما الصبر عند الصدمة الأولى » ، أخرجه البخاري في الجنائز باب 32 ، 42 ، والأحكام باب 11 ، ومسلم في الجنائز حديث 14 ، 15 ، وأبو داود في الجنائز باب 23 ، والترمذي في الجنائز باب 13 ، والنسائي في الجنائز باب 22 ، وابن ماجة في الجنائز باب 55 ، وأحمد في المسند 3 / 130 ، 143 ، 217 .